• بوابة الهند

    بوابة الهند

  • القلعة الحمراء في الهند

    القلعة الحمراء في الهند

  • مسجد جاما في الهند

    مسجد جاما في الهند

  • تاج محل في الهند

    تاج محل في الهند

  • قطب منار في دلهي

    قطب منار في دلهي

  • اسطورة جلجامش

    اسطورة جلجامش

  • الاهرامات

    الاهرامات

  • شهريار وشهرزاد

    شهريار وشهرزاد

  • جنائن بابل

    جنائن بابل

  • اور نمو اقدم شرائع العالم ف

    اور نمو اقدم شرائع العالم ف

دراسة نقدية - د.سعدي عبد الكريم        دراسة نقدية - د.سعدي عبد الكريم        على حين نصّ - قصي الفضلي        رحلةٌ في قطارْ - منال صلاح الدين        أحوالُ القافْ - قاسم والي       
آخر الأخبار

إتحاد الشعراء العرب

سعدي عبد الكريم دكتور

التَماثلُ الدلالي في قصيدة (هروب حمورابي) للشاعر العراقي عبد الجبار الفياض

رئيس تحرير مجلة السينما والمسرح في البيت الثقافي العربي 

 

 

 

 

 

 

التَماثلُ الدلالي

في قصيدة (هروب حمورابي)

للشاعر العراقي عبد الجبار الفياض

 

سعدي عبد الكريم / ناقد وسينارست

 

* دراسة نقدية *

 

إن من أولى مهام النقد، هي عملية تجنيس النص الشعري، وفض الاشتباك الحاصل بين قصيدة الشعر الحر، وقصيدة النثر، والتي تعتبر الإشكالية الكبرى، والمعضلة الأكثر تعقيدا في عصرنا ، لما لهذين الجنسين من اختلاف في المصطلح، والبنية، والتكوين، والأداء التدويني، والشاهد العروضي، واستثمار الأدوات الفنية، واللغوية، والاختزال، والتكثيف، وفي تشكيل الصورة الشعرية، ونجد لزاماً علينا أن نحاول رصد هذه الإشكالية، واستخلاص نتائج الفحوى التركيبة الداخلية، والخارجية الفنية، والبنائية بينهما.

وفي رأينا النقدي .. أن قصيدة الشعر الحرّ، منفصلة تماما في معطياتها البنائية عن قصيدة النثر، فالأولى تهتم بإظهار جنسها الأدبي بشكل جليّ من خلال الموسيقى الداخلية، والإيقاع المتفرد، والبنية الرصينة، واستثمار حرف الرويّ نَظَّماً كما في قصيدة العمود، واقترابها بشيء من الجدية من روح القصيدة العمودية، رغم أنها لا تلتزم حرفيا بثوابت، واشتراطات العروض الفراهيدية، أما قصيدة النثر فتتخذ لها شكلاً مغايراً في معالجتها البنائية للصورة الشعرية، ورصدها للبينة بتوالداتها اللفظية، حيث تعتمد على مخيال الشاعر في تثوير اللحظة عبر بريق اللغة، وتموسق الإيقاع في زمن اللحظة، وهي اختزال للمشهد الشعري وتكثيفه، وإطلاق الحرية في تشكيل ذاتها الشعرية النثرية، والامتثال الى منطقة (الاشتغال الحرّ) في متن النص، والحرية في اختيار الثيمة المنتقاة من الواقع، وقد كتب كبار الشعراء العراقيين والعرب في كلا الجنسين في مطلع القرن المنصرم، يقف على رأسهم بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وصلاح عبد الصبور، وعبد الوهاب البياتي، وأمل دنقل، وادونيس، والحيدري، ورشدي العامل، وسعدي يوسف.

وغيرهم من الشعراء.

 

ونحن هنا بصدد شكل، وماهية قصيدة النثر، التي تعتمد بالكلية على الإيقاع الداخلي الخاص، والجرسية الموسيقية المتفردة، واستخدام اللغة المكثفة، واستثمار المخيال لبناء الصورة الشعرية، وإثارة الدهشة، والمفاجأة عبر استثمار التماثل الدلالي في ولوجها الى عوالم الأسطورة، والنص المقدس، وخبايا المثنلولوجيا، وارتكازها على جملة من الألفاظ، والمفردات ومحاذياتها، لتشكيل الصور داخل بنائبتها الشعرية.

 

وفي رأينا النقدي .. يجب توافر معيارين أساسين داخل متن النص النثري لقبوله نقدياً كنص شعري نثري حداثوي، وهما:-

 

·       أن تكون القصيدة نثراً.

·        لا أن يكون النثر قصيدة.

 

وهذان المعياران، أو الشرطان، ملزمان للشاعر الذي يرنو الخوض في غمار قصيدة النثر الحداثوية، وهنا لا بد لنا من الإشارة إلى ما ذهب إليه )انسي الحاج) في اكتمال شرائطية قصيدة النثر قائلاً:-

 

*( لتكون قصيدة النثر قصيدة حقاً، لا قطعة نثر فنية، أو محملة

  بالشعر، شروط ثلاثة: الإيجاز والتوهج والمجانية*(

 

إن قصيدة النثر، تُعدُ جنساً من أجناس الشعر الحديث الذي يتمحور شكله التدويني حول بنية النص الانفعالية اللحظية، والتراكمات الكمية التي تخلق منه نوعا طرائزيا جديدا، مشفوعا بتقنية لغوية رصينة، وأدوات فنية راقية، لتحريك فحوى النص، وأغناءه بقصدية الانفتاح على عالم تماثلي دلائلي رحب، وهي من الكلام المحلق في مخيال الشاعر،  والتي لا تتقيد بقوانين عروضية شعرية، سوى ما يجول داخل ذاكرة الشاعر من صور بنائية ذات منفعة إيقاعية، وموسيقية متناغمة في إجمال الجرسية، وتشترك في فاعلية تكوينها الملامح التناصية، والإنزياحية، والسيميائية، وحزمة من ملاحق الإبداع اللّحظي الذي يتوالد داخل خلجات الشاعر، لخلق انساق من التوهج، والإثارة، والمتعة لدى المتلقي، وقصيدة النثر تتبع خطى المحسنات البديعية، والألفاظ المخيالية الراقية، والاعتناء بطرائزية المفردة، وبنائية الجملة الشعرية ذات الخصائص الاستثمارية لفاعلية الحالة الرمزية، واستثمار التماثل الدلالي عبر الأسطورة، والخصائص المثنلولوجية، وقداسة النص الديني، والشخصيات التاريخية، ليحيلها الشاعر بجملتها الى منافع حسيّة، وفكرية في تأثيث فضاء مشهده الشعري، وتكويناته الجمالية ذات الخصائص، والشرائط البنائية المُصاغة بسمات فنية خلاقة، ومبهرة، ويهتم الشاعر فيها بإظهار ملامحها الأنتمائية لجنسها الأدبي بعناية استثنائية ملحوظة، ليحيك منها محفله الشعريّ النثريّ.

 

وقد ذهبت سوزان برنار إلى القول بأنَّ قصيدة النثر هي:-

 

*( قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية، موحّدة، مضغوطة، كقطعة من بلّور...خلق حرّ، ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجاً عن كلّ تحديد، وشيء مضطرب، إيحاءاته لا نهائية )

 

ومن هنا يتبن لنا بأن قصيدة النثر هي عبارة عن (خلق إبداعي حرّ) وهي رغبة ذاتية محضة للشاعر في تشكيل، وتأثيث شكلها الخارجي، والداخلي، عبر الإيجاز، والتكثيف، واستخدام لغة رصينة، واستثمار البنية السيمائية كالدلالة، والإيحاء، والعلامة، والإشارة، والأيقونة.

 

أن قصيدة النثر الحديثة تعتمد بالكلية على جملة من المقومات الفنية التي ترتكز عليها، وان من بين أهم هذه المرتكزات هي لجوءها الى استلهام الفكرة من المقدس، أو من الأسطورة، او من الشخصيات التاريخية، وإغناء فاعلية تلقيها عبر دلالات ذات قيمة نفعية في عملية البث الموضوعي للمشهد الشعري، وتعتمد على البث التشفيري، وهي قابلة أيضا لتفجير المفاجأة، واخذ حيز من الإبهار، والدهشة، اللذان يؤسسهما النص النثري، ويعتبر التماثل الدلالي من أهم فاعليتها الفنية في تأسيس بنيتها التكوينية الشعرية، لخلق حالة من البحث، والاكتشاف، والتفسير في أذهان حاضرة التلقي، وهذا الاستثمار مرتكز على خمسة أنماط أساسية في تأثيث فحواها الشعرية:-

 

* النمط الانفعالي.

* النمط السحري.

* النمط الخيالي.

* النمط الشعوري.

* النمط ألا شعوري.

 

وهذه الأنماط الأساسية متعلقة بجملة من الدلالات المرمزة المختزلة بالانفعالات الوجدانية، والعاطفية المكنونة في المدارك الحسية، والمدارك العقلية الشعورية، وألا شعورية، المتعلقة بدلالات عاطفية، وإنسانية، وفكرية تتربع عليها قداسة المستثمر، وتاريخيته، وكينونته، وتجانسه مع فكرة النص وفحواه التكوينية.

 

ومن اجل الولوج إلى عوالم قصيدة النثر، ودراستها من خلال احد كبار شعراء قصيدة النثر الشاعر العراقي (عبد الجبار الفياض) الذي يتمحور النص الشعري النثري لديه على جملة من المعطيات التي تستوفي شروطها الاعتبارية، وملاحقها الإبهارية، وأنساقها البنائية، وتشكيلاتها اللفظية، وفاعليتها الجمالية من خلال ذاكرة الشاعر الصورية، والتي اختزلها ليعبر بها عن هواجسه اليومية المتوجسة عبر أدواته الفنية في تكوين فضاء مشهده الشعري، وتتخلص تلك التوجسات عبر العديد من الأسئلة المعاصرة التي تحاصره ليجد لها خلاصاً، أو ان يجد لها أجوبة مقنعة، وبالتالي فهو يروم بالمشهد الانتهائي من خلال نصه الشعري الى استثارة الذاكرة المتلقية لتكون مشاركة ذات فعالية في ذات هواجسه المستسلمة أحيانا، والرافضة أحيانا أخرى، والمعبئة بتلك المهاميز التحريضية أحيانا كثيرة، ويعتمد الفياض في بثه الشعري على حزمة من المتماثلات الدلالية المتكئة على الاستثمارات المثنلولوجية، والإفادة من المعالم الأسطورية، وإيراد الشخصيات التاريخية، والبطولية، والاقتباس من النص المقدس، ليخضعها الى هيبة نتاجه الشعري ليحملها عبأ العورات التي يعيشها في زمنه المتردي، ومن ثم لينقلها حيث مصاف التلقي الفاعل في جسد ذلك البث التحريضي الجمعي، الوافد من خلال ذلك التماثل الدلالي المحكم.

 

لقد دون الشاعر (عبد الجبار الفياض) حيثيات همومه، وآلامه، وأحزانه اليومية عبر هواجسه المختلطة مع الحس الجمعي ليشارك بها الأثر المستهدف، وفق منظومة التعايش بين منظومة التلقي، وبين معالم البنائية الشعرية التحريضية، ليخلق حالة من الابتكار في ملامح قصيدته الشعرية الادهاشية المبهرة.

 

وكنت قد كتبت دراسة نقدية عن ديوانه (طقوس ممنوعة) في عام 2015 ونُشرت في حينها بالعديد من المواقع الأدبية الرصينة، والصحف العراقية والعربية، وكانت الدراسة تحت موسوم *(قصدية الانفتـاح على الأنساق الميثولوجية .. والنهل من المقدس في ديوان (طقوس ممنوعة) للشاعر العراقي عبد الجبار فياض)* وقد استعرضت في هذه الدراسة مدى فاعلية (الفياض) في إنشاء مملكته النثرية الشعرية عبر استثماره بقصدية معلنة للأنساق الميثولوجية، ونهله من النص المقدس، باعتبارهما المعيار التكاملي لمنجزه الشعري، والذي يستطيع من خلاله النفاذ الى مسعاه التحريضي، والتغييري من خلال استخدامه للتماثل الدلالي باعتباره احد المنافذ المشرعة للخلاص من القيود الداخلية (الذاتية) والخارجية (المجتمعية) ليحيل منجزه الشعري الى ملاحق الارتكاز المعطيات الناجعة لخلق نص نثري مفعم بالحيوية، والبهجة، والمتعة، وإثارة العديد من التساؤلات الذهنية التي تحيط بالبنية الرمزية للنص، ويتأتى هذا في رأينا من خلال جملة من المصوغات، والعناصر، والمعطيات التي اعتمد عليها (الفياض) في خلق نصه الشعري، وعلى النحو التالي:-

 

1-   الاعتماد على التماثل الدلالي، لاستحضاره في زمكانية البث، من خلال مقترنات النص المقدس، ومعالم المثنلولوجيا، وخبايا الأسطورة، وأحداث وشخصيات التاريخ.

2-           الحرص على التدفق الذاتي الآني (لحظة التدوين).

3-           الاعتماد على الخزين المعرفي، والثقافي، والقرائي.

4-           التدليل على المناخ الشعوري، وألا شعوري المُتغير.

5-           الاعتناء بالتراتبية الفكرية، والحسيّة،

6-           التماهي مع الواقع المعاش.

7-           استشراف المعطيات التغيرية.

8-           إدانة السائد عبر استخدام الرمز.

9-           امتحان المتلقي بجرعة تجريبية مُتغايرة المعنى.

10-     استلهام المنافذ الجمالية.

11-     استثمار الوعي (الذاتي+الجمعي).

12-     بث الأسئلة المثيرة للجدل.

13-     اقتفاء اثر الحالة السيكولوجية لدى المتلقي في زمن البث.

14-     الاستدلال على فعالية الثيمة في ملاحق النص.

15-     تحصين النص بلغة منجدية رصينة.

16-     السعيّ الحثيث لخلق منجز شعري استثنائي، مختلف.

17-     التركيز على تأثيث الصورة الشعرية بامتياز.

18-     الاعتماد على الاختزال، والتكييف.

19-  اختصار المسافة بين النص، وبين المتلقي عبر إنشاء جسور معرفية، وفكرية، وإنسانية للحصول على استجابة مثلى.

20-  استثمار المنافع السردية عن الشخصيات التاريخية، والبطولية لإخضاعها الى لمحفزات التماثل الدلالي، لخلق حالة من الموائمة بين حاضرة، وماضيه، واستشرافه للمستقبل.

 

 وعلى ضوء هذه المعطيات، والمعايير، والثوابت التي اعتمد عليها الشاعر (عبد الجبار الفياض) في إنشاء مملكته الشعرية النثرية الساحرة، حيث نجده مُجددا لجلدته الشعرية في كل نص جديد يكتبه، بالرغم من اعتماده على ثوابت معاييره التأثيثة للنص وفق نظرته للعوالم المحيطة به، لينشأ منها مهاميزه الادهاشية التي تكمن في ملغزات النص، فهو من الشعراء الذين يكتبون النص الشعري بالاعتماد عل مدى صلاحيته لخلق حالة من التحريض المعلن في خاصرة التلقي، وإيجاد ثغرات ممنهجة للولوج الى العقل الجمعي لاستثارته والوصول معه الى حالة من حالات التغيير عبر ملاحق التحريض.

 

ونحن هنا أمام نصه المدهش الموسوم (هروب حمورابي) والذي استخدم فيه قيمة التماثل الدلالي كملمح أصيل لانتخاب الفكرة الباهرة للنص وتوصيلها عبر مفاتن استلهامه للأسطورة، والمقدس، والإشكال المثنلولوجية لتعزيز الشاهد التاريخي في تثبيت أركان نصه، وبث الروح فيه من اجل الوصول الى مرحلة ما بعد الحدث، ليدخلنا في حالة من حالات النزعة الفضولية لاكتشاف ما ورائية النص، وقد نجح (الفياض)

أيما نجاح في أن يُبقينا مركزين داخل بوتقته الشعرية، لاستنباط فحوى ذلك الاستلهام من خلال استخدامه لأدواته الفنية العالية، بدءاً من اللغة الرصينة، والألفاظ المركزة، والجمل المتحركة، والاعتناء بالصورة الشعرية المؤثرة، ومروراً بانتعاش الموسيقى الداخلية، والجرسية المنغمة، والإيقاع المتموسق والمنضبط مع النص.

 

وعند الوقوف في أول بوابة قبل الولوج الى عوالم القصيدة يفاجئنا (الفياض) بالموسوم (هروب حمورابي) ولا نبذل مجهودا استثنائيا في اكتشاف إننا أمام ملحمة شعرية في إشارة لـ(هروب العدل) او القوانين من الكون، وللوهلة الأولى علينا التسلل الى خفايا القصيدة لاكتشاف ملامحها الثيمية أولا، وقصدية اقتران التماثل الدلالي فيها ثانيا، ومن ثم لرصد خباياها الفكرية، والحسيّة، والجمالية.

 

وفي المقطع الأول من القصيدة يفاجئنا (الفياض) بهذا الاستثمار للتماثل الدلالي، والعلامة السيميائية لتحقيق الصدمة، والدهشة، والوقوف إزاء هذه البداية، بالتحليل، والتفسير.. فيبدأ قصيدته بقوله:-

 

بعينٍ واحدةٍ

 

لقد لجأ (الفياض) الى خلق تلك الموائمة بين حاضره المتخم بالحروب، وعدم الاستقرار، وغياب العدل الكوني، باستثمار المعنى المثنلولوجي للدلالة السيميائية المشفرة على أن ثمة فوضى دموية عارمة تحيط به كانسان، وكشاعر، لذا ابتدأ بـ(العين الواحدة) التي جاء ذكرها في المثنلولوجيا وتحديدا في الحضارة الفرعونية القديمة، للإشارة الى عَين حورس في معبد (دندره) بمصر وهي عين القمر أو عين (رع) بالمصرية القديمةأوجات) وبالانكليزية ( Udjat) وهي رمز وشعار مصري قديم له خصائصه التميمية، حيث يستخدم للحماية من الحسد، ومن الأرواح  الشريرة، ومن الحيوانات الضارة، ومن المرض، وهي في شكل قلادة يتزين بها الإنسان، وتعبر عن القوة الخارقة المستمدة من الآلهةحورس (أورع) وتُعدُرمزاً شمسياً، والذي يجسد النظام، والصرامة، والوضع المثالي. فلقد كانت القلادة توضع أيضا على صدر مومياء فرعون لتحميه في القبر، واجتهد الفنان المصري القديم في صناعتها من الذهب وتشكيلها بحيث تحمل صورا لـ(حورس) والإله (رع) وهي رموز لاستمرار الحياة، وهي بمثابة رمز للإشارة إلي توافر العدالة، والاستقرار الكوني.

 

ومن التماثليات الدلالية لـ(العين الواحدة) عند العبرانيين القدماء هي عين الرب الذي يرى كل شيء، وفي كتاب الأمثال بالتوراة يقول على لسان النبي سليمان *(إن عين الربّ هي في كل مكان ترى الشر، والخير على السواء)* وقد توافر شكل عين العناية الإلهية في الرموز والأيقونات الماسونية داخل مثلث مشع يسمى في بعض الأحيان (الدلتا المضيء) وهي موجودة أيضا كعين العناية الإلهية والهرم على ختم الولايات المتحدة الأمريكية، وهي أيضا عين العناية الإلهية أعلى وثيقة إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسية.

 

ويقع هذا التماثل الدلالي ضمن حيز العادات والتقاليد اليومية، والتي تجد لها أثرا واضحا في المجتمعات القديمة البدائية، والمتحضرة، التي تعتبر (العين الواحدة) لديهم هي الطاردة للحسد، والشر، فيصنعون قطعة فخار ملونة باللون الأزرق، ويرسمون بداخلها عين واحدة، كدلالة على (عين الله) الحافظة لهم من الحسد، والشر.

 

وقد ذهب جبران خليل جبران الى القول في ذات الصدد:-

*(العين التي ارى بها الله، هي نفس العين التي يراني بها الله، عيني وعين الله هي عين واحدة في الرؤية، في المعرفة، وفي الحب)*.

 

ولكي يكون التماثل الدلالي السومري حاضراً، لا بد من الإشارة الى ملحمة كلكامش التي ورد فيها:-

*(هو الذي رأى كل شيء)*

 

وهي دلالة على ان عين الإله (انو) هي الراعية والحافظة لكلكامش، وهي التي ترى كل شيء.

 

وأخيراً يمكن لنا اعتبار (العين الواحدة) على أنها تماثل دلالي في استثماراته السيميائية كعلامة كبرى، وإشارة ملغزة، وإيقونة مضيئة، ودلالة مبرهنة واضحة على أنها:-

 

*(العين التي ترى كل شيء)*

 

بمعنى هي عين العناية الإلهية، ويعتبرها كثيرون بمثابة (الله) الذي يحرس الإنسانية بعينه التي لا تنام لتحقيق العدل في الكون، والتي تتماثل في استدلالها التاريخي مع مسلة الملك البابلي (حمورابي) التي أراد في تشريعاتها، وسنها، أن تكون قوانين تشريعية للمجتمع، ولنشر العدل بين بني البشر.

 

لذا حرص (الفياض) في بداية قصيدة باستثمار الرمز المثنلولوجي للدلالة على ان ثمة (عين إلهية، ترى كل شيء) لتحقيق العدالة الإلهية في الكون، ومن ثم استدراج المعنى لإسقاطه على الحاضرة الكونية المعاشة التي ترزح تحت نير عدم الاستقرار، واشتعال الحروب المدمرة للإنسانية، في ظل غياب العدالة الإلهية، والبشرية.

 

كما يشير (الفياض) في مطلع المشهد الاستهلالي لقصيدته:-

 

بعينٍ واحدة

حتى إذا جنَحتِ السّفينةُ

بتسعٍ وتسعينَ وواحدة

عُصبتْ عيناه . . .

 

وهنا علينا الوقوف في ما ستؤول إليه الحقائق الفاعلة في جسد النص، والمنتقلة الى حيز التلقي بضرورات التحليل، والاستقراء ووفق نظرة شكلنة الفحوى، فقد جاءت م (العين الواحدة) في إطار عدم نزع المعنى من استقراه الرمزي، ليكمل (حتى إذا جنحت السفينة) بمعنى ان الرعاية الإلهية يمكن لها ان تسير بالسفينة (أي الحياة) أو (البشرية) أو (الكون) الى حيث برّ الأمان، والخلاص، بركابها الـ(تسع وتسعين وواحدة) وقد جاء في الأثر عن رسول الله عن رواية البخاري (2736) ومسلم (2677) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ:-

(إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ)

 

وقد ورد في التوحيد للشيخ الصدوق (ص195) عن الإمام علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال:-

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:-

 

(إن لله عزوجل تسعة وتسعون اسما، من دعا الله بها استجاب له، ومن أحصاها دخل الجنة(.


وعلق الشيخ الصدوق على هذا الحديث بقوله:-

معنى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إن لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة، إحصاؤها هو الإحاطة بها والوقوف على معانيها، وليس معنى الإحصاء عدها.

 

وقَالَ الخطابي وَغَيْرُهُ : فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ أَسْمَاءً اسْتَأْثَرَ بِهَا وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : ( إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ) أَنَّ فِي أَسْمَائِهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَاَللَّهُ فِي الْقُرْآنِ قَالَ ( وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ) فَأَمَرَ أَنْ يُدْعَى بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى مُطْلَقًا، وَلَمْ يَقُلْ، لَيْسَتْ أَسْمَاؤُهُ الْحُسْنَى إلا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا.

 

ومن هنا يتبين لنا فخامة ذلك التماثل الدلالي الذي لجأ اليه (الفياض) للموائمة بين أطراف معادلته التي استلها من المقدس، والموروث الديني ليحقق معادلته المتمثلة بالمنبهات التالية:-

 

·       (العين الواحدة) التي ترمز على تماثل الاستدلال الثابت لـ(العناية الإلهية بالعين الواحدة، التي ترى كل شيء) وتحافظ على توازن الكون، وبث العدالة السماوية بين بني البشر.

·       (حتى إذا جنَحتِ السّفينةُ) وهي تماثل استدلالي لسفينة نوح التي جنحت حيث منتهاها، لتخلص قومه، والبشرية من الغرق، وبالتالي لتحافظ على ديمومة حياة البشر على الأرض.

·       (تسعٍ وتسعينَ وواحدة) وهذا تماثل استدلالي ناهض عن النص المقدس (أن لله تسع وتسعين اسما) يمكن لبني البشر أن ينادوها بها، للإعانة، والاستغاثة، والمناجاة.

 

وتكمن قصدية بث المعنى بالفحوى الشعرية في مطلع قصيدة (الفياض) على أن ثمة تواشج حاصل بين أطراف تلك المعادلة (المشار إليها) التي استقاها من (المثنلولوجيا) ومن (المقدس) لخلق حالة من الإدهاش، والمفاجأة، والابتكار، والحث على ان بإمكان النص الشعري من الإحاطة بجلّ محفزات التماثل الدلالي لالتصاقها مع ملامح التلقي، ليحليها الى بواتق التحليل، والتفسير، وإخضاعها الى منطقة التأويل.

 

بعدها يأخذنا (الفياض) في رحلته الممتعة لاستكشاف معالم القصيدة المخبوءة في ملاذاته الآمنة أحيانا، والمُستنفرة أحيانا أخرى من خلال بواعثه الغير مستقرة وفق حاضره المأزوم، حيث يشير الى ذات نهج التماثل الدلالي من المثنلولوجيا بقوله:-

 

كهفٌ

الأربعونَ

مومياءاتٌ

تأخذُ من الأطفالِ عيونَهم . . .

 

و(الكهف) الذي جاء كعلامة لكهف (علي بابا) و(الأربعون) حرامي وهو يصبهم بالزيت، والـ(مومياءاتٌ) التي تخرج من من جوف الأرض لـ(تأخذُ من الأطفالِ عيونَهم) حتى لا يروا الا حصاد خراب الحروب التي تحيط بهم، والجرائم التي ترتكب بحقهم.

وتجيء متتاليات (الفياض) الشعرية، بعد الانتهاء من أطروحته الشعرية الاستهلالية المستقاة من المثنلولوجيا، والمقدس، لينتقل بنا الى حاضرته المتخمة بالمأساة والتي تحدث باسم الدين، والوجع اليومي الذي تكابده البشرية من الشرور المحيطة بها، حيث يسترسل في إكمال سحره الشعري الفواجعي، حيث يقول:-

 

مئاتٌ مِنْ بابا

عراةً

يدخلونَهُ

بقشيبِ حُلَلٍ

يخرجون

بحقائبَ حُبلى سِفاحاً . . .

وهنا يشير (الشاعر) الى أن (المئات) من الأطفال المنكوبين بخرائب الحروب ودمارها، هم (عراة) من كلمة (بابا) لان آبائهم يدخلون بأسم الدين، وبـ(قشيب حلل) و(يخرجون) (بحقائبَ حُبلى سِفاحاً) والسفاح هو الحمل دون غطاء شرعي يحميه من الزنا، والمعنى هنا يتمثل بأنهم أبناء زنا، لأن الحرب هي وسيلة، يتعرى بغايتها البشر، ليأكل بعضهم بعضا، وتسود فيهم شريعة الغاب، ويمارسون فيما بينهم الفحشاء دون رقابة من السماء، أو رادع أخلاقي، أو أنساني.

 

ويستطرد (الفياض) لينسج لنا من ملهماته الجمالية عبر صوره الشعرية البارقة، ولغته العالية الرامزة، وألفاظه السامية، ليؤثث لنا مشهدا آخرا من مشاهد ذلك التماثل الدلالي لحيثيات نصه الشعري، لاكتشاف دلالات المعنى حيث يقول:-   

 

صورةُ حمورابي

تُقلَب

شافهتِ الجّدار

لقد رحلَ الرّجلُ إلى دولةٍ أوروبيّة . . .

الإلهُ شمش

يستفيضُ غيْضاً

بقعٌ سودٌ

تقضمُ ألواحَه . . .

شُريْح

يضربُ بعصاه . . .

يخرجُ السّنهوريّ الكبيرُ من بابٍ خلفيّة . . .

الحاجبُ

ينشُّ الذّبابَ عن جثةٍ مُتفسّخة . . .

كتبٌ

سلبتْ أنفاسَ رفوفٍ عجائز

أللأسماكِ رزقُها

كما فعلَ التَتار ؟

بقي (ما يُقسَمُ به) !!

 

ان هذه البنائية العالية التشفير داخل الصورة الشعرية تأخذنا حيث فعالية تحريك المعنى عن ثباته اللغوي لنقله حيث منطقة التماثل الدلالي عبر استنتاج (معنى المعنى) فاللغز أصبح واضحا ضمن استحكام موسوم الدراسة بـ(التمثال الدلالي) حيث يرتقي الى أعلى محسوساته الفاعلة في جسد القصيدة، لينقلها من دائرة الرمزية العالية، الى استثمار التماثل المثنلولوجي والتاريخي الحقيقي الذي يستطيع من خلاله التركيز على موسوم النص، والثيمة المراد توصيلها للمتلقي عبر إعلان غضب الشاعر من الوضع المزري للحاضرة الآنية المعاشة، فهو يقلب صورة (حمورابي) وينفيه الى الغرب، ويصور الإله شمش أو شماش وهو إله الشمس عند البابليين القدماء، وهو يستفيضُ غيْضاً، ويبدو أن تطابق النسق التاريخي بين نفيّ حمورابي، وغضب الإله شمش عند (الفياض) تأتي وفق النظرة التوافقية المأزومة لدى (الشاعر) حيث يأتي على ذكر القاضي شريح، وهو شريح الحارث بن قيس بن الحهم الكندي قاضٍ، وفقيه، وشاعر، ، جلس على كرسي القضاء لسنتين في الكوفة، والذي نفاه (الفياض) بمرسوم شعري الى أوربا، كدلالة تماثلية على عدم توافر العدل وغيابه في حاضرة الشاعر، ويستطرد (الفياض) حيث يقف عند السّنهوريّ الكبيرُ الذي يخرج من بابٍ خلفيّة، والحاجبُ، ينشُّ الذّبابَ عن جثةٍ مُتفسّخة، هذه الصورة القاسية التصوير والمعنى لهي دلالة على أن البشر لم تعد لهم أثمان في حسابات (العين الواحدة) فالذباب ينبش الجثث المتلاشية بإسفلت الحروب، وحالات الدمار والكوارث في ظل النعرات الطائفية، وسيطرت أصحاب النفوذ والقرار على الرقاب، ويتساءل (الفياض) هنا، أللأسماكِ رزقُها، كما فعلَ التَتار؟ وهذا التساؤل يقودنا حيث إسقاط أحداث التاريخ كتماثل دلالي على كوارثية الحروب الحالية التي أتت على الأخضر واليابس، كما فعل التتار بكتب بغداد، ورموها في نهر دجلة فصار ازرقا من الحبر، ورموا القتلى فيه فتحول الى اللون الأحمر من الدم، ترى من المسؤول عن كل هذه الكوارث، والنكبات الإنسانية، حتما سيكون الجواب، من جنس السؤال، نعم البشر هم المسؤولون عن الذي يحدث، فهم من أشعلوا الحروب، وهم من يفسدون في الأرض ويحولوها خرابا، وهم أصحاب قرار الموت، والحياة، وهم المسؤولون عن غياب العدل عن الكون، ولا دخل لـ(العين الواحدة) في كل هذه الخرائب، ربما تكون هي الساكتة على هذا التداعي الكوني الحاصل، لكن يبقى الإنسان هو القاسم المشترك الأعظم في كل هذه الجرائم التي ترتكب بحق الضعفاء على الأرض.

 

 وهنا يرفع (الفياض) لافتة عل استنكاره لما يحدث، فـ(حمورابي) هو رمز العدالة الكونية، وهو المُشرع الأول للقوانين الوضعية، وعملية نفيه الى مناطق أكثر زحمة لغياب العدل، وفيها مكمن الخطر في إصدار القرار، وتشريعه، هي ملمح تحريضي على أن (الله يعرف كل شيء، ويرى كل شيء) لكن الإنسان يجهل كل شيء، ولا يرَ كل شيء لأنه مغيب عن الحق، والعدل الراسخ في ذاكرة الكون منذ الأزل.

 

ونحن نرى .. بأن الشاعر العراقي (عبد الجبار الفياض) قد أوجز قضية غياب العدل عن الكون، عبر قصيدته الموسومة (هروب حمورابي) ومن خلال التماثل الدلالي في استقراء معالم هروب العدل (حمورابي) عن الكون، واختلاط الأنساق التشريعية الإلهية، وبمدركات العقل البشري القاصر، فهي مدعاة للسخرية، والتهكم، وهي بالتالي حاضرة خصبة لحدوث كل تلك المجازر البشرية، ونشوب الحروب الطاحنة، والخرائب العقلية التي سادت في الحاضرة المعاشة لغياب الوعي الناهض، والفكر النير، والرشد الرصين، واعتبار الإنسان المحشو عقله بخرافات دينية هو خليفة الله في الأرض، وهذا يعطيه حق الوصاية، وإقامة العدل الكوني وفق نظرته القاصرة، والضيقة، والمتخلفة، لإشاعة إباحية القتل المجاني الجماعي، والخراب الهمجي، واستلاب الروح البشرية من مفردات الحياة الكريمة، والعادلة التي رسمتها له السماء.

 

ولقد أوجز (الفياض) كل هذا التفاوت العقلي، والمنهجي، والطبيعي، والإنساني، وضمان عدم حضور المعجزات الإلهية في تحقيق العدل الكوني من خلال المشهد الأخير لقصيدته، وهو من أبهى صور التماثل الدلالي الخَلقي، والفكري، والانتمائي  .... حيث قال:-

 لا يُمكنُ لخنزيرٍ أنْ يرى السّماء !

 

سعدي عبد الكريم / ناقد وسينارست / العراق

 

 



Leave a Reply