• تاج محل في الهند

    تاج محل في الهند

  • القلعة الحمراء في الهند

    القلعة الحمراء في الهند

  • معبد اكشردام

    معبد اكشردام

  • بوابة الهند

    بوابة الهند

  • قطب منار في دلهي

    قطب منار في دلهي

  • الاهرامات

    الاهرامات

  • جنائن بابل

    جنائن بابل

  • اور نمو اقدم شرائع العالم ف

    اور نمو اقدم شرائع العالم ف

  • شهريار وشهرزاد

    شهريار وشهرزاد

  • اسد بابل

    اسد بابل

دراسة نقدية - د.سعدي عبد الكريم        دراسة نقدية - د.سعدي عبد الكريم        على حين نصّ - قصي الفضلي        رحلةٌ في قطارْ - منال صلاح الدين        أحوالُ القافْ - قاسم والي       
آخر الأخبار

إتحاد الفلاسفة والمفكرين

عصام شرتح - دكتور

تقنية الدراما في بنية القصيدة المعاصرة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 تقنية الدراما في بنية القصيدة المعاصرة

 

د.عصام شرتح

 

 

لاشك في أن دخول الدراما إلى  بنية الشعر العربي الحديث لهو دخول طبيعي حيال التطورات الكثيرة التي طرأت على بنية القصيدة الحداثية؛ من حيث  تطور الأدوات، والوسائل، والمؤثرات التقنية المختلفة التي أغنت فضاء القصيدة الشعرية بالكثير من المثيرات الفنية الجديدة،وهو دليل أن" الدراما تحتاج إلى الشعر حاجة الشعر إلى الدراما تماماً"(1). لأن كل واحد منهما يكمل الآخر في إبراز دينامية الحدث،وعنصر الصراع في تعزيز الموقف الدرامي، وبهذا المعنى تشير الناقدة خلود ترمانيني  إلى أثر هذه التقنية في بنية الشعر، إذ تقول:" لقد تسللت الخاصية الدرامية إلى بنية القصيدة الحديثة؛ فأدخلت فيها عناصر جديدة تقوم على حدة الصراع،وتعدد الأصوات؛ وهنا،يتوارى حجب الدرامية الكثيفة؛ وتبتعد القصيدة عن أصلها الذاتي الغنائي؛ لتقترب من الموضوعية التي هي في الأساس رؤية ذاتية للعالم،تقدم بأسلوب متطور لا تطغى فيها الذات على الموضوع،ولا تسيطر،لأنها قائمة على أسس من الوعي الفكري"(2).

وإننا نلحظ- في الكثير من القصائد الحداثية- نزوع الشعراء إلى الإيقاعات الدرامية؛لإبراز حدة الصراع،وتصادم الأحداث، وتفاعلها ضمن الموقف الدرامي؛ وهذا يكسب الموقف الدرامي إثارته الدلالية؛لاسيما على مستوى الإشارات النصية التي تدخل في نسيجه،مسهمة في تعزيز حدة الموقف الدرامي المتوتر،وتكسب تفاعله النصي؛ كما في المقطع الشعري التالي لأمل دنقل:

" والتين والزيتون

وطور سنين،وهذا البلد المحزونْ-

لقد رأيت يومها: سفائن الإفرنج

تغوص تحت الموجْ

وملك الإفرنج يغوص تحت السرجْ

ورايةُ الإفرنج تغوصُ،والأقدامُ تغري وجهها المعوج"(3).

هنا، يبني الشاعر قصيدته على التصوير الدرامي الذي يعتمد آيات الذكر الحكيم؛ بداية الانتصار الشعوري على الإفرنج؛ وهاهنا، تكشف معطيات الحدث الدرامي عبر إدراك جانبي الصراع:[الإفرنج( رمز الغطرسة والقوة في كل زمان ومكان)/ وصلاح الدين( رمز الصمود والنضال والشموخ العربي)] على مر التاريخ؛ وعبر هذين الطرفين تتجسد ملامح الصراع والاحتدام في القصيدة،لتصل إلى ذروة الحدث الدرامي في المقطع الثاني:

"والتين والزيتونْ

وطور سنينْ

وهذا البلد المحزون.

لقد رأيتُ ليلةَ الثامنِ والعشرينَ من سبتمبر الحزينْ

رأيتُ في هتافِ شعبي الجريحْ

( رأيتُ خلف الصورة) وجهكِ يا منصورة

وجه لويس التاسع المأسورِ في يدي صبيح

رأيتُ في صبيحة الأول من تشرين جندك يا حطين

يبكون، لا يدرونَ..

أن كل واحدٍ من الماشينْ

فيه صلاح الدينْ"(4)

وما يلفت الانتباه أن الشاعر يسقط الحدث الماضي على الواقع المعاصر،ويرى في هذا الواقع جراح شعبه وهزائمهم المتواصلة؛ وليس ذلك فحسب، بل يستحضر المخازي العربية،والانهزامات المؤلمة، التي تفجرت في الزمن الماضي،واستمر وقعها وأثرها إلى الزمن الحاضر؛ ولهذا، حاول الشاعر النهوض بهذا الواقع عبر الاسترجاع الماضوي  للشخصيات والأحداث التاريخية المشرقة التي شكلت منعطفاً مهماً في مجرى التاريخ؛ فلم يجد إلا شخصية صلاح الدين التي تمثل الإشراقة الناصعة في فجر تاريخنا العربي.وهكذا؛ تتجسد ذروة الصراع الدرامي عبر الإسقاط الفني للحدث الماضي على الواقع المعاصر،ومآسيه المؤلمة؛ بغية تعرية الواقع ،وكشف سلبياته، وإبراز ملامح مشرقة من تاريخنا الماضي، تتجسد فيه كل ملامح الانتصار الشعوري الداخلي على هشاشة الواقع واتضاعه،ولو كان الانتصار مشوباً بالأسى والجراح  والألم الداخلي؛لأن صور الإشراق ماضوية- وليست حالية- في هذا الزمن الجريح المأساوي المتصدع؛ وتأسيساً على هذا نشير إلى مقولة العلاق المهمة التالية:" على الشاعر الدرامي أن يلبس مكنون ذاته أشكالاً ملموسة ووجوداً موضوعياً،مفصولاً عنه،ومرتبطاً به في آن واحد. ومن أجل أن يغدو الشاعر شاعراً درامياً حقاً عليه أن يزيح عن ذاته تلك الطبقات الكثيفة من الأغطية،والدثارات،والانشغال بالخارج، والغناء المكرور، ويستدرج كائناته الشرسة،وأوهامه،وتشبيهاته ليخرج بها كلها من الداخلي المظلم إلى النصاعة ورحابة التعبير،من ظلمة الفوضى إلى نهار النص الدرامي الحافل بالرعب، وشهوة الحياة معاً"(5).

وبهذا التصور؛ فإن الشاعر الدرامي يحرك الباطن الشعوري أكثر من خياله الشعري؛ ويوظف ما يعتصر الداخل من احتدامات وصراعات؛ ليعكسها على الخارج، بما يمتلك من حساسية شعرية، وفضاء رؤيا، ورحابة أخيلة، ودهشة تعبير؛ وهذا لن يتحقق – بتمامه وكماله- إلا عند من يمتلكون زاداً معرفياً،وخبرة إبداعية، مهمة  تؤهلهم ليخوضوا في هذا الجانب المؤثر.

وثمة شعراء مبدعون أغنوا هذا الجانب في قصائدهم؛ لدرجة أن التقنية الدرامية تغلغلت في نسيج قصائدهم،لتكون علامة فارقة على احتدامها وتوترها،واصطراعها الداخلي، لاسيما عندما تتغلغل هذه التقنية في بنية الحوار الشعري، مشكلة جوهر ثقله الإبداعي،ودينامية تفاعل أحداثه الدرامية، على شاكلة المقطع الشعري التالي لمحمد عمران:

"أسمعها، أشمُّ سيغاتا

أماً بلا زوج ولا  أبناءْ

تحت رمادِ الدمعِ تستغيثُ

( يا ولدي شاهينْ

أمك( سيغاتا) مذبوحة العينينْ

تحفرها حوافرُ الأعداءْ

تغوصُ في الجبينْ

في لحمها الحزينْ

أمك سيغاتا مزرعة للطين)

أسمعها، أشم سيغاتا

تحت أنين الجرح تستغيث:

( رأسك يا شاهين أو رأس  سيغاتا)

رأسك يا شاهين أو رأس سيغاتا!!

فليكن رأسك يا شاهينْ مفتاح الصباحِ

باب سيغاتا إلى الشمس،يكن ساقاً لسيغاتا،

يكن ملحاً،دماءً، زهرةً بريةً في أرضِ سيغاتا

يكن أغنية للريحْ.

يكن نجماً للحياه،جناحاً للأقاحي

رأسك يا شاهين

لا رأس سيغاتا"(6).

هنا، يبني الشاعر هذه القصيدة على إيقاع الحوار الدرامي الملحمي الكاشف عن حدة الصراع بين ثنائية:[الموت/ والحياة]؛[ الخير/ والشر]،و[ القوة/ والضعف]؛وهذا ما يستشفه القارئ بوساطة الحوار الدرامي المكثف؛ الذي يؤسسه على المنحى الأسطوري الدرامي، ليصل إلى الذروة في التوجه الدرامي عبر تردد أصداء الحوار،وتبعثر صداه الداخلي في النفس:[ رأسك يا شاهين أو رأس سيغاتا]؛ واللافت أن حساسية الحوار تتمركز حول طرفيه المؤثرين؛وهما شخصية:[ سيغاتا/ وشاهين]؛ وهاتان الشخصيتين تشكلان جوهر الحوار،ومركز ثقل الأحداث الأسطورية واحتدامها في القصيدة؛ ويستطيع القارئ أن يلحظ احتدام الحوار بين[ سيغاتا/ وشاهين]؛ للوصول إلى الخلاص؛ كما تفجرت في القصيدة ملامح( الموت/ والتضحية)؛ وهذا ما نلحظه في النسق الحواري التالي:[ يا ولدي يا شاهين/ أمك سيغاتا/ مذبوحة العينين/ تحفرها حوافر الأعداءْ/ تغوص في الجبين/ في لحمها الحزين/ أمك سيغاتا مزرعة للطين]؛ والملاحظ أيضاً أن الشاعر يعتمد المشهد الملحمي في ترسيم واقع الأسطورة، ليخلق الشاعر حالة من المواءمة بين النسق الحواري الذي يجريه على لسان (سيغاتا)، والواقع المعاصر القائم على القتل، والظلم، والانتهاك، بمعادل موضوعي تبرز فيه الأصوات الشعرية،وتحتدم،لاسيما صوت الذات[ الأنا/ العليا/ وصوت الأسطورة( الأنا الداخلية)؛ ومن خلال الاحتدام الداخلي،تبرز أصداء الحوار الدرامي،وتتكثف دلالة الحدث الأسطوري في قوله:[ رأسك يا شاهين أو رأس سيغاتا..(فليكن رأسك يا شاهين مفتاح الصباح.. باب سيغاتا إلى الشمس]؛ وهكذا،تخلص الأسطورة،لتجسد قيمة الخلاص والتطهير والنصر التي تمثلت على يد البطل الأسطوري:( شاهين ليكون قرباناً للخلاص،ورمزاً للتطهير، والميلاد، والخلق الجديد؛ وهذا دليل أن الدراما حين تتخلق اللغة الشعرية، فإنها تزيدها توهجاً واحتداماً ودينامية مضاعفة تعمق الحدث الشعري،وتستثير التجربة  الشعرية من الصميم.

ونستشف،مما سبق أن التقنية الدرامية تؤدي فاعليتها القصوى في النصوص الشعرية الشاملة أو المتعددة الدلالات، والإيحاءات الشعرية في القصائد التي تحفل بالأصوات الشعرية، وتكتظ بالرؤى والمشاهد والأحداث المتشعبة في الموقف الدرامي الواحد،وبقدر ما تتفاعل هذه الأحداث وتتلاحم في بوتقة نصية واحدة  تحقق التقنية الدرامية فاعليتها القصوى ضمن بنية القصيدة المعاصرة.

 

(1) شرتح،عصام،2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية،(ملف علي جعفر العلاق)،ص346.

(2) ترمانيني،خلود،2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث،ص383.

(3) دنقل، أمل،- ديوان تعليق على ما حدث ،ص105-106.

(4) المصدر نفسه،ص107-108.

(5) مرجع سابق (حوار علي جعفر العلاق)،ص347.

(6) عمران،محمد،2000- الأعمال الشعرية،ج1/ص64-65.

 

                                                                                                    

 

 

 

 

 



Leave a Reply